الشيخ محمد الصادقي
321
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
معنويا فهو ينزل من سموّ الربوبية ، من مكانة عاليه وإن لم يكن من مكان عال : اللهم واجعل ما صرحت به من عدتك في وحيك ، وأتبعته من قسمك في كتابك ، قاطعا اهتمامنا بالرزق الذي تكفلت به ، وحسما للاشتغال بما ضمنت الكفاية له ، فقلت وقولك الحق ووعدك الصدق ، وأقسمت وقسمك الأبرّ الأوفى « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » ثم قلت : « فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » « 1 » . ترى إذا كان رزقنا في السماء ، أليس علينا ابتغاؤه بالكدح والسعي ؟ أن تبقى مكتوفي الأيدي عن كل شغل ، أو ان نكتفي بالتماس الدعاء ؟ ! كلا ! ف « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » حياة السعي والكدح في ابتغاء الأرزاق المادية ، وبأحرى المعنوية ! اعتبارا أنه من أسباب إدرار الرزق على قدر معلوم « وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » : معلوم حسب الحكمة البالغة « وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ » ( 42 : 27 ) فليست سعة الرزق للبغاة المحتكرين ، مصّاصي دماء المظلومين ، ليست هي من عند اللّه تشريعا أو تقديرا منه من عنده ، وإنما بما طغوا وبغوا فامتلكوا أموال الشعوب واستغلوا طاقاتهم واستثمروهم ، وإنما اللّه لا يمنعهم تكوينا بعد منعهم تشريعا ، إذ « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » . . فالرزق ينزل من عند اللّه بقدر معلوم حسب الحكمة ، ومعلوم قدر السعي ، متكلين على اللّه في ابتغاء ما عنده ، دون استقلال للاتكال فنبقى دون سعى ، ولا استقلال للسعي فنبقى دون اتكال ، وإنما أمر بين مرين : لا اتكالية ولا استقلالية . ثم وليس في إلفات النظر إلى رزق السماء إهمال الأرض وأسبابها ، وانما مزج
--> ( 1 ) . الصحيفة السجادية عن الإمام علي بن الحسين السجاد ( ع ) . ( الفرقان - م 21 )